فخر الدين الرازي

519

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قال محمد بن إسحاق : لما رجع موسى عليه السلام من الطور إلى قومه / فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال وحرق العجل وألقاه في البحر ، اختار من قومه سبعين رجلًا من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى : سل ربك حتى يسمعنا كلامه ، فسأل موسى عليه السلام ذلك فأجابه اللّه إليه ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم : ادخلوا وعوا ، وكان موسى عليه السلام متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه ، وسمع القوم كلام اللّه مع موسى عليه السلام يقول له : افعل ولا تفعل ، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك : لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة ، فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعاً وقام موسى رافعاً يديه إلى السماء يدعو ويقول : يا إليه اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلًا ليكونوا شهودي بقبول توبتهم ، فارجع إليهم وليس معي منهم واحد ، فما الذي يقولون فيّ ، فلم يزل موسى مشتغلًا بالدعاء حتى رد اللّه إليهم أرواحهم وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال : لا إلا أن يقتلوا أنفسهم . القول الثاني : أن هذه الواقعة كانت بعد القتل ، قال السدي : لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم أمر اللّه تعالى أن يأتيهم موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل ، فاختار موسى سبعين رجلًا ، فلما أتوا الطور قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة ، فأخذتهم الصاعقة وماتوا فقام موسى يبكي ويقول : يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل ، فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بقيتهم هؤلاء ، فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي منهم أحد فما ذا أقول لهم ؟ فأوحى اللّه إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلهاً فقال موسى : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [ الأعراف : 155 ] إلى قوله : إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [ الأعراف : 156 ] ثم إنه تعالى أحياهم فقاموا ونظر كل واحد منهم إلى الآخر كيف يحييه اللّه تعالى ، فقالوا : يا موسى إنك لا تسأل اللّه شيئاً إلا أعطاك فادعه يجعلنا أنبياء ، فدعاه بذلك فأجاب اللّه دعوته ، واعلم أنه ليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر وكذلك ليس فيها ما يدل على أن الذين سألوا الرؤية هم الذين عبدوا العجل أو غيرهم . أما قوله تعالى : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ فمعناه لا نصدقك ولا نعترف بنبوتك حتى نرى اللّه جهرة [ أي ] عياناً . قال صاحب الكشاف : وهي مصدر من قولك : جهرت بالقراءة وبالدعاء كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية والذي يرى بالقلب مخافت بها وانتصار بها على المصدر لأنها نوع من الرؤية ، فنصبت بفعلها كما ينصب القرفصاء بفعل الجلوس أو على الحال بمعنى ذوي جهرة وقرئ جهرة بفتح الهاء وهي إما مصدر كالغلبة وإما جمع جاهر ، وقال القفال أصل الجهرة من الظهور يقال جهرت الشيء [ إذا ] كشفته وجهرت البئر إذا كان ماؤها مغطى بالطين فنقيته حتى ظهر ماؤه ويقال صوت جهير ورجل جهوري الصوت ، إذا كان صوته عالياً ، ويقال : وجه جهير إذا كان ظاهر الوضاءة ، وإنما قالوا : جهرة تأكيداً لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على [ نحو ] ما يراه النائم . / أما قوله تعالى : فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ففيه أبحاث : البحث الأول : استدلت المعتزلة بذلك على أن رؤية اللّه ممتنعة ، قال القاضي عبد الجبار : إنها لو كانت